هشام جعيط
251
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
جيش قوي برا ونهرا في آن « 1 » . وحاول المختار المستحيل مع من تبقى من الرجال - وكانوا بضعة آلاف - لقطع طريق الكوفة على مصعب ، فتحصن في السيلحين « 2 » ( هل كانت تقع في الجنوب الغربي أم في الجنوب الشرقي ؟ ) « وسكر الفرات على مجتمع الأنهار فذهب ماء الفرات كله في هذه الأنهار وبقيت سفن البصرة في الطين » « 3 » . فتأخر وقت الزحف : ثمّ بدأ القتال في حروراء « 4 » وكان مركزا متقدما للكوفة على طريق البصرة ، حيث أقام الخوارج الأوائل بالذات . وكانت محاولة أخيرة . لكن جيش المهلب بن أبي صفرة القوي حمل على جيش المختار فدحره استمر المختار يدافع عن مدخل الكوفة بحفنة أخيرة من أصحابه دفاعا مستميتا ، عند رأس سكة شبث « 5 » ، ثم تحصن في « قصره » أي قصر الإمارة ، واتخذ كل الاحتياطات لمجابهة الحصار . هذه الأحداث يرويها الطبري عن أبي مخنف ويرويها البلاذري عن عدّة مصادر أهمها أبو مخنف ، وهي مفيدة لأكثر من سبب . وهذه اللحظة بالذات من ثورة المختار تعلمنا عن المحيط المباشر للكوفة وتطرح مشكلة الماء ومشكلة اتصال الكوفة بالعالم الخارجي وكيف يتم ولوج المدينة في اتجاه المركز بتقدم بطيء . قضية الماء : الواقع أنه ينبغي التساؤل عما هناك من علاقات بين الكوفة والماء . لقد فرّ العرب الأوائل من عالم المياه ، إن أمكن القول ، من عالم المدائن المائي ، وأنشأوا مدينتهم على اليابسة ، على الأرض الصحراوية تقريبا . كان ذلك على ضفة الفرات ، لكن قبل عبوره ثم يبدأ بعد ذلك عالم الريف ، وهو السواد الذي كانت تخطّه قنوات الري التي تربط بين الفرات ودجلة . يذكرنا التصور الشائع المترتب عن كلمات مثل الكوفة والحيرة والكناسة والبادية القريبة جدا ، بالغبار ورائحة الصحراء . هذه حقيقة لأن الصحراء جاثمة عند الباب أمام كل عين بصيرة . وهي موجودة بالداخل أيضا لأن السكان - يا لها من سخرية قصوى - هيأوا داخل الكوفة صحارى صغرى . إنّما كانت هذه الصورة حقيقية إلى حد ما فقط لأن الكوفة فعلا نقطة اتصال بين عالمين ، وقد أثبت الماء وجوده في البداية بفضل الفرات ، وبكل ما يتبع الفرات كالسبخة التي أشرنا إليها مرارا ، والقصب الذي أضفى على الكوفة
--> ( 1 ) الطبري ، ج 6 ، ص 99 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 95 ؛ صالح العلي حدد موقعها في الجنوب الغربي قرب طريق القادسية وحدده ماسينيون إلى الجنوب الشرقي قرب الفرات . ويؤيد السياق وجود الموقع إلى الجنوب الشرقي . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 99 . استعملت كلمات مثل سكر وسكر وهي مصطلحات مائية مشتقة من اللغة الأكاديّة . ( 4 ) الطبري ، ج 6 ، ص 99 - 100 ؛ أنساب الأشراف ، ج 5 ، ص 258 . ( 5 ) الطبري ، ج 6 ، ص 101 .